حسن الأمين
172
مستدركات أعيان الشيعة
« مشير الدولة » إخماد تمرد تبريز . في 24 مهر ( 1 ) سنة 1299 ه . ش . وبدا حملته على ثوار الشمال في شهر تير [ ] 1299 ( 2 ) من تلك السنة . وأرسل إلى جيلان كتيبة من القوزاق بقيادة « إستار ولسكي » لاخضاع الشيوعيين الانفصاليين . وأرسل رسولا إلى « الميرزا كوشك خان » لمفاوضته على الصلح ، فاستجاب هذا للرسول وجمع رجاله وانفصل عن الشيوعيين ، وكان قد تبين خيانتهم وهالته الفجائع التي يرتكبونها حيث يحكمون . وأما الشيوعيين فقد قاوموا ثم انهزموا . وفي شهر مرداد ( 3 ) من تلك السنة كان القوزاق يحتلون مواقعهم موقعا موقعا . ومنها مدينة رشت . وقد نهب الشيوعيون هذه المدينة قبل جلائهم عنها وأوقعوا بها جرائم فظيعة ثم أحرقوها . وتعقبهم القوزاق إلى نواحي مرفا « أنزلي » وأصبحوا على وشك النصر التام والقضاء على حكومة المتمردين في الشمال . وكان اثنان من كبار زعماء المتمردين قد انتهى أمرهما إذ جرح أحدهما وقتل الآخر ، وفيما القوزاق يخطون آخر خطواتهم إلى النصر الكامل إذا ببارجة روسية بلشفية تطلع عليهم وترميهم بقذائف المدافع ، وجماعة من جنود الجيش الأحمر ينزلون في نواحي مرفا « غازيان » . وكان يقابلهم فوج القوزاق الهمداني بقيادة العقيد رضا خان « الذي أصبح فيما بعد » رضا شاه بهلوي « وعدد جنوده حوالي سبعمائة ، فأوقع الحمر به خسائر جسيمة . ثم أمرهم » أستار ولسكي « بالتراجع . وفي أثناء تراجعهم أمطرهم العسكر الإنكليز من أحد مواقعه بوابل من القنابل . واعتذرت السفارة الإنكليزية بعد ذلك بان هذا العمل كان اشتباها ، إذ حسب الجيش الانكليزي القوزاق الإيراني من عسكر البلاشفة . وقد تراجع » العقيد رضا خان « بفوجه إلى نواحي قزوين حتى استقر في قرية اسمها » آق بابا « . وكان للانكليز جيش متمركز في « منجيل » فتراجع عنها بلا حرب . وعاد المتمردون الشماليون إلى مواقعهم التي أخرجوا منها ، ومنها مدينة رشت . وأوقعت هذه الهزيمة الرعب في أهالي جيلان ففروا منها جماعات جماعات متفرقين في مختلف النواحي . واتهم الضباط الإيرانيون « الكولونيل إستار ولسكي » بأنه تعمد الخطا في التكتيك ليوقع الهزيمة بالقوزاق ، وأنه واطا الإنكليز عليهم . وهكذا مني « مشير الدولة » بالخيبة في جيلان قبل أن يتمكن من تحقيق خطته الصائبة بإيجاد توازن بين السياسات الخارجية في بلاده ، بعقد معاهدة صداقة بين الاتحاد السوفياتي وبلاده ، إذ زحمته الحوادث ومؤامرات الإنكليز فاضطر إلى الاستقالة ، وسفيره في موسكو مشغول بمفاوضته السوفيات حتى تمكن من تهيئة معاهدة من 26 مادة كلها في مصلحة إيران . ولو تمكن « مشير الدولة » من توقيعها وإنفاذها لاتخذت الحوادث مجرى آخر . كانت روسيا بعد الانقلاب البلشفي ، قد خرجت من مسرح السياسة الإيرانية . ولكنها لم تلبث أن عادت إليه بوجه آخر . خرجت بما هي دولة الإمبراطورية الرأسمالية الاستعمارية ، وعادت بما هي دولة الاتحاد السوفياتي الاشتراكي الثوري . فأخذت تثير حركات انفصالية في شمال إيران وتمدها بالسلاح والرجال . وكان تدخلها هذا هو السبب في خيبة « مشير الدولة » في حملته على متمردي الشمال ، كما كان السبب في خيبة « وثوق الدولة » قبله . وكانت السياسة الإنكليزية تتوخى تشكيل حكومة قوية في إيران تبسط سيطرتها على كل البلاد وتقطع دابر المتمردين ، على أن تكون تابعة لانكلترا ، وكان الإنكليز مستعدين لمساعدتها بالمال والرجال والسلاح . وكان « وثوق الدولة » أهلا لهذه المهمة ولكنه ، مع كل شدته وحزمه ، عجز عن فرض معاهدة سنة 1919 م . وجاء بعده « مشير الدولة » . وكان قادرا على تشكيل مثل تلك الحكومة القوية المطلوبة . ولكنه لم يكن قادرا على التبعية للانكليز . فناواهم في أشياء ، منها رفضه إسناد قيادة الكتيبة القوزاقية إليهم . ومنها رفضه الاعتراف بشرعية « شرطة الجنوب » . ومنها مسايرته لمعارضي معاهدة سنة 1919 م ومنها إقدامه على مفاوضة السوفيات ، وأشياء أخرى . ومن ثم لم يجد الإنكليز بدا من تنحية « مشير الدولة » عن الحكم . فحملوا « أحمد شاه » ، بالاحراج والإكراه ، على أن يوعز إليه بالاستقالة ، فرفض « مشير الدولة » وعلق إقدامه على الاستقالة على موافقة زملائه الوزراء ، وهم لا يوافقون عليها . والأرجح أن هذا الطلب والرد كانا مواطاة بين الشاه ورئيس وزرائه يتخلص به الشاه من إحراج الإنكليز ، إذ كان الشاه و « مشير الدولة » في خط سياسي واحد . ومن ثم أقدم الإنكليز على عمل حاسم يضطر « مشير الدولة » إلى التنحي من الحكم . فهددوا الشاه بأنهم سيخلون قزوين أيضا ويتركونها للشيوعيين . ثم قطعوا المعونة المالية التي ما زالوا يمنحونها إيران من سنوات . ولم يكن « مشير الدولة » قادرا على الاستمرار في الحكم بغير هذه المعونة . فاضطر إلى الاستقالة في 14 صفر سنة 1339 ه . ق . الموافق 5 آبان ( 4 ) سنة 1299 ه . ش . ولما يمض على حكومته غير ثلاثة أشهر تقريبا . كان الإنكليز آيسين من وزارة « مشير الدولة من يوم تشكيلها مع كل ما أظهرته سفارتهم يومئذ من إيجابية في معاملتها . فان تصرفهم يوم حملة القوزاق على ثوار الشمال ، وقبله تعليقاتهم الصحفية وبعض بيانات وزير خارجيتهم » اللورد كرزن « الرسمية ، كانت تدل على أنهم لا يرجون خيرا من هذه الوزارة . فرئيسها وأعضاؤها نخبة ممتازة موثوق بها من ساسة إيران ، ضنينون بشعبيتهم وسمعتهم لا يمكن أن يهدروها بالسعي إلى إنفاذ معاهدة سنة 1919 م . والشاه مصر على رفضها ، مع ما أطعمه به الإنكليز من مال . والأوضاع الراهنة توحي بان المجلس المنتظر لا يرجى أن يكون مناط أمل . ومعارضة الرأي العام لا يستطاع تجاهلها . لقد كان قيام حكومة « مشير الدولة » إيذانا بسقوط تلك المعاهدة . ومن ثم صرف الإنكليز النظر إلى اتخاذ خطة أخرى تكون بديلا لها لتحقيق سيادتهم على إيران . وفي مدة حكم « مشير الدولة » دأب أنصار المعاهدة ، وفي مقدمتهم السيد ضياء الدين الطباطبائي ، على عقد جلسات ومشاورات برعاية السفارة الإنكليزية لزعزعة حكومة « مشير الدولة » والتخطيط لمشروع بديل للمعاهدة . فلما قطعت انكلترا معونتها المالية عن إيران ، واضطر « مشير الدولة » إلى الاستقالة كان المشروع الجديد جاهزا . حكومة إيرانية لا تستطيع فرض معاهدة 1919 م . بل انكلترا نفسها
--> ( 1 ) الشهر السابع من السنة الهجرية الشمسية الإيرانية . ( 2 ) الشهر الرابع من السنة الهجرية الشمسية الإيرانية . ( 3 ) الشهر الخامس من السنة الهجرية الشمسية الإيرانية ، يقابله تموز وآب . ( 4 ) الشهر الثامن من السنة الهجرية الشمسية الإيرانية . يقابله أيلول وتشرين الأول .